ابن عربي

203

فصوص الحكم

في مقابلة التابوت له الذي كان في اليمِّ مُطبقاً عليه . فظاهره هلاك وباطنه نجاة . وإنما فعلت به أمه ذلك خوفاً من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبراً ( 1 ) وهي تنظر إليه ، مع الوحي الذي ألهمها الله به من حيث لا تشعر . فوجدت في نفسها أنها ترضعه فإذا خافت عليه ألقته في اليم لأن في المَثَل « عين لا ترى قلب لا يفجع » ( 2 ) . فلم تخفْ عليه خوف مشاهدة عين ، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر ، وغلب على ظنها أن الله ربما ردَّه إليها لحسن ( 3 ) ظنها به . فعاشت بهذا الظن في نفسها ، والرجاء يقابل الخوف واليأس ، وقالت حين أُلْهِمَتْ لذلك ( 4 ) لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يديه . فعاشت وسُرَّتْ بهذا التوهم والظن بالنظر إليها ، وهو علم في نفس الأمر . ثم ( 5 ) إنه لما وقع عليه الطلب خرج فارّاً - خوفاً في الظاهر ، وكان في المعنى حبًّا للنجاة . فإن الحركة أبداً إنما هي حبِّية ، ويُحْجب ( 6 ) الناظر فيها بأسباب أخر ، وليست تلك . وذلك لأن الأصل حركة العلم من العدم الذي كان ساكناً فيه إلى الوجود ، ولذلك يقال إن الأمر حركة عن سكون : فكانت ( 7 ) الحركة التي هي وجود العالم حركة حب . وقد نبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله « كنت كنزاً ( 8 ) لم أُعْرَف فأحببت أن أُعْرف ( 9 ) » . فلو لا هذه المحبة ما ظهر العالم في عينه . فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب الموجِد لذلك : ولأن العالم أيضاً يحب شهود نفسه وجوداً كما شهدها ثبوتاً ، فكانت بكل وجه حركته من العدم الثبوتي إلى الوجود حركة ( 10 ) حبٍ من جانب الحق وجانبه : فإن

--> ( 1 ) ب : ضيراً . قرأها هكذا القاشاني وبالي والقيصري . ونص جامي على أنها صبراً بالصاد والباء وأن ضيراً تحريف . وقتله صبراً قول مشهور ( 2 ) ن : تيجع ( 3 ) ن : بحسن ( 4 ) الجار والمجرور متعلق بقالت : أي قالت من أجل ذلك لعل إلخ ( 5 ) ا : ساقطة ( 6 ) ب : وحجب ( 7 ) ب : وكانت ( 8 ) ب : كنزاً مخفياً . ( 9 ) « أن أعرف » ساقط في ب ( 10 ) ن : وحركه .